الجاحظ
98
رسائل الجاحظ
حياته ، وبين أن يكون ممتعا بالباه أيام حياته ، لاختار الفقر الدائم مع التمتع الدائم . وليس شيء مما يحدث اللّه لعباده من أصناف نعمه وضروب فوائده أبقى ذكرا ولا أجل خطرا من أن يكون للرجل ابن يكون ولي بناته وساتر صورة حرمه وقاضي دينه ومحيي ذكره ، مخلصا في الدعاء له بعد موته وقائما بعده في كل ما خلفه مقام نفسه ، فمن أقل أسفا على ما فارق ممن خلف كافيا مجربا وحائطا من وراء المال موفورا ومن وراء الحزم حاميا ولسلفه في الناس محييا . وقال رجل لعبد الملك بن مروان وذكر ولدا له : أراك اللّه في بنيك ما أرى أباك فيك ، وأرى بنيك فيك ما أراك في أبيك . ونظر شيخ وهو عند المهلب إلى بنيه قد أقبلوا فقال : آنس اللّه بكم الاسلام فو اللّه إن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة . وليست النعمة في الولد المحيي والخلف الكافي بصغيرة . فصل منه : وباب آخر ، وهو أن اللّه تعالى خلق من المرأة ولدا من غير ذكر ولم يخلق من الرجل ولدا من غير أنثى ، فخص بالآية العجيبة والبرهان المنير المرأة دون الرجل ، كما خلق المسيح في بطن مريم من غير ذكر . [ 8 - حب القرابة ] فصل منه في ذكر القرابات : وأما أنا فإني أقول : إن تباغض الأقرباء عارض دخيل وتحابهم واطد أصيل ، والسلامة من ذلك أعم والتناصر أظهر والتصادق في المودة أكثر ، فلذلك القبيلة تنزل معا وترحل معا وتحارب من ناوأها معا ، إلا الشاذ النادر ، كخروج غني وباهلة من غطفان ، وكنزول عبس في بني عامر . وما أشبه ذلك . وإلا فإن القرابة يد واحدة على من ناوأهم وسيف واحد على من عاداهم ، وما صلاح شأن العشائر إلا بتقارب ساداتهم في القدر وإن تفاوتوا في الرئاسة والفضل ، كما قال في الأثر المستفيض : لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا تقاربوا هلكوا . وحال العامة في ذلك كحال الخاصة .